وطنية

تهم جاهزة بلا أدلة.. نظام الكابرانات يواصل استهداف المغرب برواية “كاذبة” جديدة

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر الإعلامي بين المغرب والجزائر، تعود إلى الواجهة نمطية واضحة في الخطاب المتداول داخل عدد من المنابر الإعلامية الموالية لنظام “الكابرانات”، تقوم على إعادة إنتاج روايات “كاذبة” جاهزة وتوجيه اتهامات مجانية ومباشرة للمغرب دون تقديم معطيات موثقة أو مصادر مستقلة قابلة للتحقق. 
وفي هذا السياق، نشر موقع “الدزاير تيب” المقرب جدا من المؤسسة العسكرية في الجزائر، مقالا عنونه بـ”المخزن يشتري حصة في (تي في 5 موند) لتبييض جرائمه وبث سمومه ضد الجزائر”. مقال قدم من خلاله “بوق الكابرانات” سلسلة من الادعاءات الثقيلة والكاذبة في آن واحد، والتي تفتقر في جوهرها إلى الحد الأدنى من الدقة المهنية المطلوبة في تناول ملفات دولية حساسة، حيث تم نسج رواية من وحي الخيال، قدمت للجزائريين على أنها حقائق نهائية، لأهداف واضحة يعلمها الجميع.. “المغرب عدو يستهدفكم”
لكن عند تفكيك مضمون هذه الادعاءات بهدوء بعيدًا عن الانفعال السياسي، يتبين أن البناء العام للرواية يعتمد على الربط بين وقائع غير متناسقة، وإعادة تقديمها في سياق واحد يوحي بوجود “خطة منظمة”، رغم غياب أي دليل رسمي أو مصدر مستقل يؤكد هذا الترابط. فالرواية التي تروج لها أبواق العسكر في الجزائر، والمتعلقة بقناة TV5 Monde، لا يوجد ما يثبت أنها صحيحة أصلًا، في حين أن هذا النوع من المؤسسات الإعلامية الدولية يخضع عادة لآليات تمويل حكومية متعددة الأطراف معلنة، وأي تعديل في بنيتها المالية أو دخول طرف جديد كممول رئيسي يكون موضوع بيانات رسمية واضحة وتغطية من وكالات أنباء دولية، وهو ما لا وجود له في الحالة المطروحة.
ومن زاوية أخرى، فإن طريقة بناء الاستنتاج في النص المذكور تقوم على الانتقال السريع من معطى “كاذب” إلى حكم سياسي شامل، عبر توسيع دائرة الاتهام لتشمل مجالات متعددة مثل الإعلام الأوروبي وبعض القضايا السياسية السابقة، دون تقديم أدلة مباشرة تربط بين هذه الملفات. هذا الأسلوب في التحليل، الذي يعتمد على “تجميع الوقائع” بدل “إثبات العلاقة السببية بينها”، يُضعف القيمة المعلوماتية للنص ويجعله أقرب إلى سردية سياسية جاهزة منه إلى تحليل قائم على التحقق.
كما أن الإشارة إلى قضايا إعلامية أو سياسية دولية مثل الجدل حول بعض التحقيقات الصحفية في أوروبا أو ملفات الفساد المعلنة قضائيًا في البرلمان الأوروبي، يتم توظيفها في هذا النوع من الخطاب بشكل انتقائي، دون التمييز بين ما هو ثابت قضائيًا وما هو مجرد جدل إعلامي أو تحقيقات ما زالت مفتوحة.
 في السياق المهني، هذا الخلط بين مستويات مختلفة من الإثبات يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، لأن كل قضية من هذه القضايا تخضع لمسار قانوني وإعلامي خاص بها ولا يمكن دمجها في إطار واحد دون فقدان السياق.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن العلاقات بين المغرب والجزائر تعيش منذ سنوات على وقع حالة توتر سياسي انعكست بشكل مباشر على الخطاب الإعلامي في البلدين، خصوصًا في الملفات الكبرى مثل قضية الصحراء، التي تشكل محورًا رئيسيًا في الخلاف السياسي بين الطرفين. هذا الوضع تستغله الجزائر عبر آلتها الاعلامية المأجورة من أجل توجيه اتهامات كاذبة مستمرة، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة، تعكس حجم الحقد الذي يكنه نظام الكابرانات لكل ما هو مغربي، حتى صار العداء للمملكة الشريفة عقيدة متجذرة في الجارة الشرقية. 
في المقابل، فإن المعايير الصحفية المعترف بها دوليًا تفرض شروطًا واضحة عند تناول مثل هذه القضايا، أبرزها التحقق من المصدر الأول، والاعتماد على وثائق رسمية أو تصريحات موثقة، وإتاحة حق الرد، وعدم تحويل التحليل إلى حكم مسبق. وعندما تُستبدل هذه القواعد بلغة اتهامية مباشرة واستنتاجات واسعة دون سند موثق، فإن النتيجة تكون إنتاج خطاب سياسي أكثر منه مادة إعلامية قابلة للتحقق.
كما أن النص يتضمن عدة إشكالات محل الرد أبرزها غياب الفصل بين الرأي والتحليل والخبر، حيث يتم تقديم فرضيات سياسية على أنها وقائع مكتملة، دون المرور عبر مراحل التحقق الضرورية. هذا الأسلوب لا يعكس فقط ضعفًا في البناء المنهجي، بل يساهم أيضًا في تكريس حالة من الضبابية الإعلامية التي تزيد من تعقيد فهم الجمهور للملفات المطروحة.
ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في مضمون الادعاءات، بل في الطريقة التي بُنيت بها السردية ككل، حيث يتم تقديم الاستنتاجات قبل الأدلة، وتوظيف اللغة السياسية الحادة لتعويض غياب الوثائق والمصادر الموثوقة. وهو ما يجعل مثل هذه المواد أقرب إلى خطاب تعبوي يعكس رؤية سياسية مسبقة، أكثر من كونه تحليلًا إعلاميًا قائمًا على المعطيات القابلة للتحقق والتدقيق.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *