وطنية

إعدام الإنسانية

بقلم : ✍️ عبدالله أطويل

يقول الفيلسوف والكاتب الفرنسي-السويسري جون جاك روسو، “إن الحرب تكون بين الدول لا بين الشعوب، فالجندي عندما يضع سلاحه أرضا مستسلما، يصبح بشرا مدنيا لا يحق تهديد حقه المدني في الحياة تحت أي علة من العلل”. قال قولته هذه وغيرها من الأقوال التي كانت حجر الزاوية في الفكر السياسي، إلى جانب باقي فلاسفة العقد الاجتماعي بإعتبارهم مؤسيين لفلسفة التحول من حياة الحقوق الطبيعية الحيوانية إلى حياة الحقوق المدنية الإنسانية.
كل هذه الأقاويل والمبادئ الكونية والقيم الإنسانية والأخلاقية التي ناضل من أجلها مفكرون وفلاسفة عبر قرون ثم ضحَّت في سبيل بلوغها شعوب وأمم، جمعتها اليوم إسرائيل في كيس أسود وساقتها إلى المشنقة، أمام مرئ ومسمع كل المنظمات الحقوقية والهيئات المدنية بكل بقاع العالم. لم تكتفي فقط بعملياتها العسكرية الجوية والبحرية والبرية التي تشنها في قطاع غرة، وهي بالاساس لا تذخل ضمن تصنيف الحرب ولا مبادئها. بل أقل توصيف توصف به هو الاجرام وسفك الدماء، باستهداف التجمعات السكنية المدنية والمستشفيات والمدارس، ليكون هذا الكيان قد ضرب عرض الحائط بجميع مبادئ قوانين الحرب وأعرافها، بل هو إخلال بالقانون الذي تقر فيه المادتين 15 و 16 من معاهدة جنيف الثانية بضرورة توفير الحماية للمدنيين والرضع وذلك بموجب مبدأ التمييز خلال العمليات الاستهدافية الحربية، أي استهداف المقاتلين دون غيرهم من المدنيين. كما أن معاهدة سنة 1949 تضمن الحماية للمستشفيات والمدارس، وتمت تزكية ذلك بملحقة تنقيحية سنة 1977. اليوم سقطت الأقنعة وانكشفت السحنات المزيفة، لتظهر بجلاء حقيقة الفكر الصهيوني وإخوته من الرضاعة من أنظمة لقيطة، ظلت تزعم تبنيها للقيم الكونية السامية.

اليوم دق الكنيست آخر مسمار في نعش هده القيم، حين صادق بالقراءة الثانية والثالثة وبأغلبية عددية على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، هذا القانون الذي تقدم به وزير الحرب بن غفير أو بالأحرى بن “كفير”، تكون من خلاله دولة الاحتلال هي الخصم والحكم، على لسان الشاعر العربي ابو الطيب المتنبي حين قال مخاطبا سيف الدولة “وفيك الخِصام وأنت الخصم والحكم”.
لما يرتدي القاتل ثوب القاضي بتلك هي الغابة بحيواناتها وغرائزها. صودق على قانون يجهز على أسمى حق في الكون، وهو الحق في الحياة، قانون يتعارض مع المادة 75 من معاهدة جنيف الرابعة التي تعطي للمحكوم بالاعدام الحق في الاستئناف والحق في العفو وعدم تنفيد الحكم في أقل من ستة أشهر، كما تمنع المادة نفسها العقوبات الجماعية والعقوبات ذات التمييز على أساس طائفي، هذه الخصائص كلها تبخرت عند عتبة الكنيست، فالقانون صالح للتنفيد في مدة تقل عن 90 يوما، حتى وإن كانت ستعارضه المحكمة الجنائية فهناك مساطر بيروقراطية تتطلب من الوقت ما تتطلب. ثم كونه يعتمد في أساسه على مبدأ ايديولوجي تمييزي، إد يعدم كل فلسطيني قاتل لاسرائيلي تحت دريعة نفي دولة إسرائيل ولا يعدم مستوطن يقتل فلسطيني.

بهدا تكون اسرائيل دبحت القيم الكونية من الوريد إلى الوريد وتبولت على القانون الدولي وداست على كل الأعراف والقيم، في زمن المحكمة الجنائية ومنظمة العفو الدولي والامم المتحدة ومجلس ترامب للسلام والجامعة العربية والبرلمان الأوربي وغيره من البنايات الشامخة التي لها موقف كبير يتسع لمئات السيارات. محمود درويش قال ذات يوم في شعره “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وألفريد نوبل خصص جائزة للسلام تمنح كل سنة لشخصية تجري في طريق إحلال السلم. فنسي الإثنان معا أن هذه الأرض نفسها عليها بشر يستحقون الديناميت الذي اخترعه نوبل. أما العرب من هذه القصاصة فقدس الله سرهم، عقدوا وسيعقدون القمم والمنتديات للشجب والتنديد، قصد توقيف القط على ذيله.

يستفتونك في العرب فقل رُكنهم حديد وبأسهم بينهم شديد، أما عن الوحدة العربية فقال عنها الكاتب الساخر جلال عامر “الوحدة العربية هي أن يشعر كل عربي بالوحدة”، هكذا حالهم وهم على سيرتهم سائرون وما بدلوا تبديلا.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *