القانون وحماية المعطيات الشخصية في زمن الذكاء الاصطناعي
بقلم : ✍️ حميد عسلي
يعرف العالم حاليا ثورات متتالية في التقنية، سرع من وثيرتها التطور الحاصل في استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح محركا جوهريا يقضم المسافات الزمنية بشكل رهيب، فلا يكاد يخلو يوم من أيامنا هذه من اخبار عن القفزات الهائلة لمستويات استخدامه وسهولة اقتحام مجالات جد معقدة وأخرى ذات حس جمالي وإبداعي. وحيث إن استعمال الرقمنة وولوج غالبية المواطنين لخدمات الانترنيت أصبح القاعدة، وحيث إن المعطيات الشخصية أصبحت ثروة رقمية، فإن الحديث اليوم عن الخصوصية لم يعد ترفا قانونيا، بل ضرورة ملحة فرضها التحول الرقمي الذي نعيشه، فإلى أي حد يحمي القانون المواطن من الاستغلال غير المشروع لمعطياته؟
لقد عمل المشرع المغربي على محاولة مواكبة التحولات الرقمية فأصدر ترسانة قانونية وتنظيمية ومؤسسات مختصة في هذا المجال، نذكر في هذا المقام على سبيل المثال القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والقانون رقم 05-20 المتعلق بالأمن السيبراني والقانون رقم 20-43 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية، والقانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، والقانون رقم 08-31 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، بما فيها المستهلك على الانترنيت، والقانون رقم 03-07 المتعلق بالجرائم الخاصة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، ومجموعة من المراسيم والقرارات التنظيمية والمناشير المختصة في هذا المجال. وقد خلق المغرب مؤسسات وطنية مهمتها حماية المواطن والوطن من الجريمة الإلكترونية، أهمها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطنيواللجنة الاستراتيجية لأمن نظم المعلومات واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP).
المتفحص للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في مختلف هذه القوانين التشريعية والتنظيمية وكذا لاختصاصات اللجن، يجد أن المغرب كان سباقا في محيطه الإقليمي للسهر على حماية الحياة الشخصية للمواطنين ومراقبة مدى التزام الفاعلين بقواعد حماية المعطيات، كما أفرد عقوبات مالية وسجنية ثقيلة لكل من استخدم الأدوات الإلكترونية بسوء نية وبشكل غير شرعي. فالردع في هذا المجال يصل إلى التجريم الجنائي بالإضافة إلى عقوبات حبسيه وغرامات مالية متفاوتة بحسب خطورة الفعل المرتكب، حيث يعاقب على الولوج غير المشروع إلى نظم المعالجة الآلية للمعطيات بالحبس الذي قد يصل إلى عدة سنوات، كما تتشدد العقوبات في حالة التزوير المعلوماتي او استعمال المعطيات بشكل احتيالي.
صحيح أن الترسانة القانونية المغربية في مجال حماية المعطيات الشخصية ومحاربة الجريمة الإلكترونية تعد كبيرة ومهمة، لكن السؤال المطروح يبقى شرعيا، فهذه القوانين لها حدود وإكراهات تحد من نجاعتها في الحماية منالاستغلال غير المشروع للمعطيات الشخصية. فمهما كان القانون حديثا لا يمكنه مسايرة الرقمنة وتسارعها وقوة الذكاء الاصطناعي وصعوبة ضبط الخوارزميات بشكل قانوني. فالحال الآن يتميز بسهولة انتقال المعرفة الالكترونية وصعوبة اخضاع الشركات العالمية للقانون الوطني إضافة إلى ضعف الثقافة الرقمية والقانونية لدى المواطن الذي أصبح فريسة سهلة أمام ما يقدمه الفضاء الرقمي من مغريات تقنية. تجد المستعمل يعطي موافقته الشكلية بشكل يومي على شروط الاستخدام دون وعي ودون إدراك للمخاطرالمترتبة للاستعمال المفرط للتطبيقات الذكية وغيرها من الوسائط التقنية.
كلنا نسمع عن مكالمات هاتفية تتصيد مواطنين بسطاء قصد جرهم للإدلاء بمعطيات تخص بطائقهم البنكية، أو ابتزاز مستعملي مواقع التواصل الاجتماعي بصور وغيرها من المعطيات الشخصية، وهي سلوكيات إجرامية تتخذ اشكالا مختلفة يصعب حتى على المتخصصين تفاديها بشكل مطلقفكيف للمستعمل البسيط أن يعرف التعامل مع هذه التحايلات (Phishing, Smishing, Vishing, Tailgating) ..
خلاصة القول، إن معطياتنا الشخصية لم تعد في مأمن ولا ملكا لنا بالكامل في ظل هذه الثورة التكنلوجية المتجددة، ولا يمكن للتشريع مهما كان متقدما ان يؤمن الحماية القانونية المطلقة، ولذلك فإنه من الواجب اليوم أن تقوم كل الجهات المعنية والمسؤولة ومنها الإعلام، بتحسيس المواطنين بخطورة الوسائل التكنولوجية، فبين نقرة زر وموافقة سريعة على شروط الاستعمال، يقابله تنازل يومي عن جزء من خصوصياتنا، والمؤسسات المعنية مطالبة ليس فقط بسن النصوص التشريعية بل هي أمام سباق مع الزمن لفرض العقوبات على المخالفين وقبل ذلك القدرة على ضبطهم.
إن الأمر لا يتعلق بانتهاك خصوصيات المواطنين، بل يرقى إلى ظاهرة تهدد كيان الدولة واستقلاليتها، يجب الانخراط في المبادرات الدولية من قبيل النموذج الأوربيGDPR الذي يعد مرجعا عالميا في هذا المجال، لكن بوعي وبفكر هدفه تنزيل فكرة السيادة الرقمية للبلد التي تهم حاليا مجموعة من المؤسسات الاستراتيجية، في انتظار تعميم الحماية لتشمل كل مرافق الحياة العامة.
** باحث في القانون والعلوم السياسية.



