وطنية

حين تتحول الحرية إلى فوضى .. انتحال الصحافة خارج سلطة القانون

بقلم – المصطفى اسعد **

يعاقب الفصل 381 من القانون الجنائي المغربي بالحبس من 3 أشهر إلى سنتين وغرامة من 200 إلى 5000 درهم، كل من استعمل أو ادعى لقبا متعلقا بمهنة نظمها القانون، أو شهادة رسمية، أو صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها، دون استيفاء الشروط اللازمة .

وفي هذا الإطار فإن انتحال مهنة الصحافة في المغرب ليس مجرد مخالفة بسيطة، بل هو سلوك يهدد مصداقية المعلومة ويقوض الثقة في الإعلام كسلطة رابعة ، في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة للجميع، صار من الضروري التمييز بين الصحفي المهني الذي يشتغل وفق ضوابط واضحة، وبين من يتقمص هذه الصفة دون دراسة ، تكوين أو التزام، مستغلا فضاء الحرية لنشر الفوضى الإعلامية.

أولاً ، من الناحية القانونية، يخضع العمل الصحفي في المغرب لإطار منظم، على رأسه قانون الصحافة والنشر، الذي يحدد شروط ممارسة المهنة، بما في ذلك ضرورة الحصول على بطاقة الصحافة المهنية، والالتزام بقواعد المسؤولية القانونية، هذا الإطار لا يهدف إلى تقييد الحريات، بل إلى حماية المجتمع من التضليل، وضمان أن من يمارس الصحافة يتوفر على الحد الأدنى من الكفاءة والالتزام ، فانتحال صفة صحفي يعد خرقا للقانون، وقد يترتب عنه متابعة قضائية، خصوصا إذا اقترن بنشر أخبار زائفة أو المساس بحياة الآخرين.

ثانياً، الأخلاقيات المهنية تشكل جوهر العمل الصحفي ، فالصحفي ليس مجرد ناقل للخبر، بل مسؤول عن دقته وتوازنه واحترامه لكرامة الأفراد ، لأن مواثيق الشرف الصحفي تلزم بالتحقق من المصادر، وتجنب الإثارة الرخيصة، واحترام الخصوصية ، و منتحل الصفة غالبا ما يتجاهل هذه المبادئ، فيتحول إلى مصدر للإشاعة بدل المعلومة، وإلى أداة للإساءة بدل التنوير.

ثالثاً، التشهير بالناس أصبح من أخطر نتائج هذا الانتحال ، مثل نشر اتهامات بدون دليل، أو المساس بسمعة الأفراد والمؤسسات، والذي لا يدخل في باب الصحافة، بل في باب الاعتداء ، والقانون المغربي واضح في تجريم التشهير والقذف، ويمنح للمتضررين الحق في اللجوء إلى القضاء ، لأن حرية التعبير لا تعني إطلاق العنان للإساءة، بل تظل مقيدة باحترام حقوق الآخرين.

رابعاً، من المهم التمييز بين انتحال صفة صحفي وحرية الرأي والتعبير ، فكل مواطن من حقه التعبير عن رأيه، وانتقاد السياسات أو الظواهر الاجتماعية، لكن ذلك لا يعني ادعاء صفة مهنية لها شروطها ، لأن الصحافة مهنة قائمة بذاتها، تتطلب تكوينا وممارسة مسؤولة، بينما الرأي الشخصي يبقى تعبيرا فرديا لا يخول لصاحبه صفة الصحفي ولا امتيازاته.

خامساً، إذا نظرنا إلى التجارب الدولية، نجد أن أغلب الدول تضع ضوابط واضحة لممارسة الصحافة، سواء عبر هيئات تنظيمية أو قوانين مهنية ، و في الدول الديمقراطية، يتم التوفيق بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، حيث لا يسمح بانتحال الصفات المهنية أو نشر الأخبار الزائفة دون مساءلة ، هذا الالتزام هو ما يحافظ على مصداقية الإعلام ويضمن استمراريته.

وفي هذا السياق، أكد الملك محمد السادس في رسالة سامية الى أسرة الصحافة والاعلام :” وعندما نقول الحرية، فلأنه لاسبيل لنهوض وتطور صحافة جيدة دون ممارسة لحرية التعبير. كما أن التأكيد على ملازمة المسؤولية للحرية مرده الى اعتبار أنه لايمكن للإعلام أن يكتسب المصداقية الضرورية وأن ينهض بالدور المنوط به ويتبوأ المكانة الجديرة به في حياتنا العامة ما لم تمارس هذه الحرية في نطاق المسؤولية ” .

ويعبر الفقيه الفرنسي مونتسكيو عن هذا التوازن بقوله: «الحرية هي الحق في أن نفعل ما تسمح به القوانين» ، وهي مقولة تختزل العلاقة بين الإعلام والقانون؛ فحرية الصحافة ليست انفلاتا ، بل ممارسة مسؤولة داخل إطار قانوني يضمن الحقوق ويمنع التجاوزات، ويجعل من الالتزام بالقانون شرطا أساسيا لاكتساب المصداقية.

في النهاية، حماية مهنة الصحافة مسؤولية جماعية: من الدولة عبر القوانين، ومن الصحفيين عبر الالتزام الأخلاقي، ومن المواطنين عبر الوعي والتمييز ، لأن السماح بانتحال هذه المهنة يعني فتح الباب أمام العبث بالحقيقة، وهو ثمن لا يمكن لأي مجتمع أن يتحمله.

**رئيس المركز المغاربي للإعلام والديمقراطية

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *