الناظور بين منطق الإصلاح وضجيج الشعبوية
الناظور بين منطق الإصلاح وضجيج الشعبوية
ليس من السهل أن تقود أي مؤسسة منتخبة ورشا للإصلاح دون أن تواجه مقاومة من المستفيدين من الوضع القائم. فكل محاولة لتنظيم الفضاء العام وإعادة الاعتبار للقانون تصطدم، في الغالب، بأصوات ترفع شعارات الدفاع عن “البسطاء”، بينما تخفي في العمق رفضها لأي تغيير يمس الامتيازات غير المشروعة التي راكمتها سنوات الفوضى والتسيب.
اليوم، تعيش مدينة الناظور واحدة من أهم مراحل التحول الحضري في تاريخها الحديث. فالأوراش المفتوحة في مختلف الأحياء، من إعادة تأهيل الطرقات وتوسيع الأرصفة وتحديث الساحات العمومية إلى إحداث فضاءات خضراء وتنظيم الأنشطة التجارية، تعكس إرادة واضحة للانتقال بالمدينة من منطق التدبير اليومي المؤقت إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
ومع ذلك، يبدو أن البعض لا يرى في كل هذه الجهود سوى التفاصيل التي تخدم أجندته الخاصة. فبدل مناقشة حصيلة المشاريع وأثرها على جودة عيش المواطنين، يتم التركيز على حالات فردية معزولة وتقديمها على أنها عنوان للحقيقة الكاملة، وكأن مدينة بأكملها يجب أن تتوقف عن التطور لأن شخصا أو مجموعة صغيرة رفضت الامتثال للقانون.
ولعل أبرز مثال على ذلك الجدل الذي يرافق حملات تحرير الملك العمومي. فمنذ سنوات طويلة، تحولت العديد من الأرصفة إلى امتدادات لمحلات تجارية أو فضاءات عشوائية للكراسي والطاولات والعربات المجرورة والأكشاك غير المنظمة، حتى أصبح الراجل مضطرا إلى السير وسط الطريق معرضا نفسه لخطر حوادث السير.
أي منطق يقبل أن يحتكر فرد أو نشاط تجاري رصيفا أنجز بأموال دافعي الضرائب؟ وأي عدالة تسمح بحرمان آلاف المواطنين من حقهم في التنقل بحرية مقابل استفادة شخص واحد من مساحة ليست ملكه أصلا؟ إن الدفاع عن احتلال الملك العمومي تحت غطاء التعاطف الاجتماعي لا يختلف كثيرا عن الدفاع عن الفوضى نفسها.
في مدن مغربية عديدة، من الدار البيضاء إلى الرباط وطنجة، اضطرت السلطات والجماعات الترابية إلى اتخاذ قرارات مماثلة لتحرير الأرصفة والساحات العمومية. ورغم الاحتجاجات الأولية، أثبتت التجربة أن المواطن كان المستفيد الأكبر من هذه الإجراءات بعد أن استعاد الفضاء العام وظيفته الأصلية، وتحسنت جمالية المدينة وانسيابية الحركة داخلها.
أما في المدن الأوروبية التي يستشهد بها الكثيرون كنماذج للتنمية، فإن احتلال الملك العمومي يخضع لقوانين صارمة ورخص محددة وشروط دقيقة. ولا يمكن لأي شخص أن يضع كرسيا أو منصة أو عربة في الشارع دون احترام الضوابط القانونية. التنمية هناك لم تتحقق بالمجاملات، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
المؤسف أن بعض الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تتعامل مع هذه الملفات بمنطق الإثارة لا بمنطق المسؤولية. فبمجرد ظهور شخص متضرر من قرار تنظيمي، يتم تصويره في فيديو عاطفي وتقديمه كبطل شعبي، بينما يغيب تماما الحديث عن آلاف المواطنين الذين كانوا يعانون يوميا من آثار الفوضى والعشوائية.
إن صناعة الأبطال الوهميين على حساب المصلحة العامة ليست دفاعا عن الفئات الهشة، بل نوع من الشعبوية التي تبحث عن التفاعل والمشاهدات أكثر مما تبحث عن الحلول. فالمسؤولية الحقيقية تقتضي طرح السؤال الجوهري: كيف نضمن الحق في العمل مع احترام القانون والحق الجماعي في استعمال الفضاء العمومي؟
ثم إن الأرصفة ليست مجرد ممرات إسمنتية، بل هي فضاءات مخصصة لفئات تحتاج إلى عناية خاصة. فالأم التي تدفع عربة طفلها، والشخص في وضعية إعاقة، وكبير السن الذي يجد صعوبة في الحركة، جميعهم يدفعون ثمن احتلال الأرصفة أكثر من غيرهم. وعندما يتم تحرير هذه الفضاءات فإن المستفيد الحقيقي هو المواطن البسيط الذي غالبا ما يغيب صوته عن النقاش.
لا أحد يدعي أن مسار الإصلاح خال من الأخطاء أو أن أداء المجالس المنتخبة فوق النقد، فالنقد حق مشروع بل وضروري لتحسين الأداء العمومي. لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد البناء الذي يقترح البدائل ويصحح الاختلالات، وبين التبخيس الممنهج الذي يرفض الاعتراف بأي إنجاز مهما كانت أهميته.
إن الناظور تستحق أن تُقاس المشاريع فيها بنتائجها على الأرض لا بعدد الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل، وإذا كان بناء مدينة منظمة وحديثة يتطلب قرارات قد تكون غير شعبية لدى البعض، فإن التاريخ يثبت دائما أن المجتمعات التي انتصرت للقانون والتنظيم هي التي نجحت في تحقيق التنمية، أما المجتمعات التي استسلمت للفوضى فقد دفعت الثمن لعقود طويلة. وبين ضجيج الشعبوية ومنطق الإصلاح، يبقى الرهان الحقيقي هو مصلحة الناظور وساكنتها قبل كل اعتبار.




