التزكيات السياسية وصناعة الأوهام.. عندما يتحول الشباب إلى وقود في معارك لا تخصه
التزكيات السياسية وصناعة الأوهام.. عندما يتحول الشباب إلى وقود في معارك لا تخصه
في كل موسم انتخابي، تتكرر المشاهد نفسها وكأنها نسخة مستنسخة من سنوات مضت، تتغير الوجوه، وتتبدل الأحزاب أحيانا، وتختلف الشعارات، لكن شيئا واحدا يبقى ثابتاً؛ حالة الانتظار الجماعي لاسم جديد يقال إنه سيقلب الموازين ويغير الواقع ويصنع المعجزات، وما إن يظهر هذا الاسم حتى يخرج خلفه جيش من المصفقين والمتحمسين، خصوصاً من فئة الشباب، وكأن المنقذ المنتظر قد وصل أخيرا.
في إقليم الناظور، كما في مناطق عديدة من المغرب، أصبح مشهد التنافس حول التزكيات الحزبية حدثا قائما بذاته، فقبل أن تبدأ الحملة الانتخابية، وقبل أن يطلع المواطن على أي برنامج أو مشروع أو تصور للتنمية، تنطلق معركة أخرى أكثر شراسة، وهي معركة من سيحصل على التزكية، فتمتلئ المقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي فجأة بالنقاشات والتحليلات والتوقعات، ويتحول اسم المرشح المحتمل إلى محور حديث الناس، وكأن مستقبل الإقليم كله متوقف على شخص واحد.
والأغرب من ذلك أن بعض الشباب يدخلون هذه المعارك بحماس يفوق أحياناً حماس أصحاب المصلحة المباشرة أنفسهم، فتجدهم يدافعون بشراسة عن هذا المرشح أو ذاك، يهاجمون خصومه، ويعتبرون أي انتقاد موجه إليه استهدافاً شخصياً لهم. وكأنهم وجدوا في ذلك المرشح صورة للخلاص الفردي والجماعي في آن واحد.
لكن الواقع يقول شيئاً آخر؛ فمن يتابع الحياة السياسية المحلية خلال العقود الماضية سيلاحظ أن أسماء كثيرة مرت من هنا. في كل مرحلة كان هناك شخص يقدَّم على أنه الرجل القوي، أو صاحب النفوذ، أو صاحب العلاقات، أو رجل المرحلة. وخلف كل اسم كانت توجد جموع من المؤيدين الذين آمنوا بأن التغيير أصبح قريباً. ثم تمر السنوات، ويتغير الاسم، ويظهر اسم آخر، وتبدأ الدورة نفسها من جديد.
والسؤال الذي يطرح مع حلول كل مناسبة، ماذا جنى هؤلاء الشباب من كل تلك المعارك؟ هل اختفت البطالة؟ هل توقفت الهجرة السرية؟ هل أصبحت فرص الشغل متاحة للجميع؟ هل تحسنت الخدمات الصحية والتعليمية بالشكل الذي كان ينتظره المواطن؟ أم أن الواقع ظل في كثير من الأحيان أكبر من الوعود والشعارات والأسماء؟.
إن أكبر خطأ يقع فيه جزء من الشباب هو ربط مصيره السياسي والاجتماعي بشخص بدل ربطه بمشروع. فالأشخاص يتغيرون، والتحالفات تتغير، والمواقع تتغير، أما المصالح العامة فتظل ثابتة. ولذلك فإن المواطن الواعي لا يسأل: من هو المرشح؟ بل يسأل: ماذا سيقدم؟ وكيف سيحققه؟ وما هي حصيلته السابقة؟.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لصناعة الأبطال السياسيين بشكل متسارع. صورة واحدة، أو فيديو قصير، أو منشور مدفوع بعناية، كفيل بصناعة هالة كبيرة حول أي اسم. وسرعان ما تبدأ التعليقات التي تتحدث عن “الرجل المناسب” و”الفرصة الأخيرة” و”الأمل الجديد”. غير أن التجربة علمتنا أن السياسة لا تدار بالعواطف، بل بالنتائج والإنجازات.
في الناظور، كما في غيرها من المدن، يعرف المواطن جيداً أن التحديات الحقيقية لا تتعلق بمن يحمل التزكية بقدر ما تتعلق بقدرة المنتخبين على الدفاع عن قضايا الإقليم. فالسكان يريدون تنمية اقتصادية حقيقية، واستثمارات منتجة، وفرص عمل للشباب، وتحسين البنية التحتية، والارتقاء بالخدمات العمومية. وهذه الملفات لا تحلها الأسماء مهما كان بريقها الإعلامي.
ومن المؤسف أن بعض الشباب يستهلكون وقتاً وجهداً كبيرين في الدفاع عن أشخاص قد يغيرون مواقعهم السياسية بين ليلة وضحاها. فكم من خصوم سياسيين أصبحوا حلفاء؟ وكم من حلفاء تحولوا إلى خصوم؟ وكم من شخص غادر حزباً إلى آخر بعدما كان أنصاره يعتبرون ذلك الحزب جزءاً من هويته السياسية؟ هذه التحولات تكشف أن السياسة مجال للمصالح والتوازنات، وليست ساحة للولاءات العاطفية المطلقة.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هؤلاء الشباب الذين يقاتلون افتراضياً دفاعاً عن المرشحين، هم أنفسهم من يشتكون من البطالة أو التهميش أو غياب الفرص. ومع ذلك ينشغلون بمعارك جانبية لا تغير من واقعهم شيئاً. بينما كان الأولى أن يتحول ذلك الحماس إلى قوة ضغط مدنية تطالب بالحقوق وتراقب الأداء وتدافع عن مصالح المجتمع.
ما يجب أن يدركه الشباب هو أن الديمقراطية لا تُبنى على تقديس الأشخاص ولا على الاصطفاف الأعمى خلف الأسماء، بل على الوعي والمساءلة والمحاسبة، فالمواطن في النظام الديمقراطي ليس مشجعاً في مدرجات السياسة يصفق لهذا ويهاجم ذاك، وإنما شريك في صناعة القرار، يراقب الأداء ويقيم الحصيلة ويطالب بالنتائج، والسياسي الناجح لا يُقاس بعدد المصفقين الذين يحيطون به، ولا بحجم الضجيج الذي يصنعه أنصاره على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بقدرته على تحويل الوعود إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية… لذلك، فإن قيمة أي مسؤول لا تكمن في اسمه أو نفوذه، وإنما في ما يقدمه من خدمة للصالح العام، وفي مدى استعداده للخضوع للمحاسبة عندما يقصر أو يفشل.
وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أن جزءاً من الشباب ما زال يتعامل مع السياسة بمنطق البحث عن “الرجل المعجزة” القادر وحده على حل كل المشاكل المتراكمة، فكلما ظهر اسم جديد في المشهد، خصوصاً خلال فترات التنافس على التزكيات، التف حوله المصفقون والمتحمسون، وارتفعت سقوف التوقعات إلى حد الاعتقاد بأن مرحلة جديدة من الازدهار على وشك أن تبدأ. غير أن التجارب المتعاقبة أثبتت أن الأشخاص، مهما كانت قدراتهم أو نواياهم، لا يستطيعون بمفردهم صناعة التحول المنشود. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة هذا الوعي السياسي القائم على انتظار المنقذ، لأن التغيير الحقيقي لا تصنعه الأسماء بقدر ما تصنعه المؤسسات القوية، والمواطنون الواعون، وآليات المراقبة والمحاسبة.
فالشباب اليوم قبل كل شيء، يجب أن يتحرروا أولا من ثقافة “البطل المنتظر”، وأن يدركوا أن الديمقراطية ليست رهاناً على الأشخاص، بل رهان على الأفكار والبرامج والنتائج، فلا أحد سيأتي بعصا سحرية لتغيير الواقع، والتجارب أثبتت أن التعويل المفرط على الأفراد لا ينتج في النهاية سوى موجات متتالية من الأمل المؤقت يعقبها الإحباط، بينما يبقى الطريق الحقيقي نحو التنمية معبداً بالعمل الجماعي، والمشاركة الواعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في النهاية ستنتهي معركة التزكيات كما انتهت عشرات المعارك قبلها، ستوزع التزكيات، وسترفع الشعارات، وستنطلق الحملات الانتخابية، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد كل ذلك هو نفسه: ماذا تحقق للمواطن؟ لأن التاريخ لا يتذكر من صفق أكثر، بل يتذكر من أنجز أكثر، أما الأسماء فتمر، وتبقى مصالح الناس هي المعيار الوحيد الذي يستحق أن ندافع عنه.




