وثيقة أمريكية سرية ترسم العقيدة العسكرية للمغرب حتى 2036
وثيقة أمريكية سرية ترسم العقيدة العسكرية للمغرب حتى 2036
كشفت وثيقة أمريكية تتعلق بإعادة هيكلة التعاون الدفاعي بين المغرب والولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2036 عن توجه جديد يروم الارتقاء بالعلاقات العسكرية بين البلدين إلى مستوى أكثر عمقا واتساعا، يتجاوز الأشكال التقليدية للتعاون الثنائي نحو نموذج قائم على التكامل العملياتي والتنسيق المتقدم في مختلف المجالات الأمنية والتكنولوجية.
ووفقا للوثيقة، فإن الرؤية الجديدة لا تقتصر على تحديث آليات التعاون العسكري القائمة، بل تستند إلى تصور استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى بناء منظومة مشتركة تسمح بزيادة الترابط بين القدرات الدفاعية للبلدين، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الأمني الدولي.
وتتضمن الخطة الدفاعية الجديدة اعتماد ما يعرف بـ”المواقع الأمنية التعاونية”، وهي صيغة حديثة تختلف عن مفهوم القواعد العسكرية التقليدية. ويقوم هذا النموذج على إنشاء بنى لوجستية مرنة وقابلة للتطوير السريع عند الحاجة، بما يسمح بتعزيز الجاهزية العملياتية دون الحاجة إلى انتشار عسكري دائم أو واسع النطاق.
ويأتي هذا التوجه في سياق مراجعة أوسع للعقيدة العسكرية الأمريكية التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الانتشار المرن والشبكات العملياتية المترابطة، عوض التركيز على القواعد الضخمة والثابتة. ومن شأن ذلك أن يمنح المغرب دورا أكبر ضمن منظومة الاستجابة للأزمات الإقليمية والتحديات الأمنية العابرة للحدود.
ومن بين أبرز المشاريع التي تضمنتها الوثيقة إنشاء مركز متقدم للطائرات المسيرة، وهو مشروع لا يقتصر على الجانب التقني أو التدريبي فقط، بل يرتبط بتطوير مفاهيم جديدة في إدارة العمليات العسكرية الحديثة. ويُنتظر أن يشكل هذا المركز فضاء لتطوير واختبار تكتيكات مرتبطة بالحرب متعددة المجالات، التي تقوم على التنسيق بين القدرات البرية والجوية والبحرية والسيبرانية ضمن منظومة موحدة تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي.
كما تشير المعطيات الواردة في الوثيقة إلى اهتمام متزايد بتطوير قدرات مواجهة الطائرات المسيرة، خاصة في ظل الدور المتنامي الذي باتت تلعبه هذه الأنظمة في النزاعات الحديثة، وخصوصا داخل المناطق التي تعرف تحديات أمنية متزايدة، مثل منطقة الساحل الإفريقي.
وفي الجانب المرتبط بالاتصالات العسكرية، تبرز منظومة “Link-16” كأحد أهم عناصر الشراكة المستقبلية بين الرباط وواشنطن. وتتيح هذه الشبكة المتطورة تبادل المعطيات العملياتية والاستخباراتية بشكل فوري وآني، ما يساهم في تعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية ورفع مستوى فعالية العمليات المشتركة.
ويرى متابعون للشأن الدفاعي أن إدماج مثل هذه المنظومات المتقدمة يفتح المجال أمام مستوى غير مسبوق من التعاون التقني والعسكري، من خلال ربط الأنظمة المختلفة ضمن شبكة موحدة لتبادل المعلومات واتخاذ القرار بشكل أسرع وأكثر دقة.
وعلى المستوى الصناعي، تتجه المؤشرات نحو توسيع آفاق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، خاصة تلك المرتبطة بسلاسل الإمداد الخاصة بطائرات “F-16”. ومن المتوقع أن يساهم هذا التوجه في تعزيز القدرات الوطنية المرتبطة بالصيانة والتحديث والدعم التقني، فضلا عن فتح آفاق جديدة أمام تطوير الخبرات المحلية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
ولا يقتصر أثر هذا النوع من التعاون على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد إلى مجالات اقتصادية وتقنية متعددة، من بينها الإلكترونيات المتقدمة، والأنظمة الرقمية، والأمن السيبراني، وتكوين الكفاءات المتخصصة القادرة على مواكبة التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع الصناعات الدفاعية عالميا.
وفي السياق ذاته، تحتل الحماية السيبرانية موقعا محوريا ضمن التصور الجديد للشراكة بين البلدين. فمع تزايد التهديدات الرقمية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، بات الأمن السيبراني يشكل أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي الحديث.
وتشير الوثيقة إلى أهمية تأمين المنشآت الاستراتيجية ذات الأبعاد الاقتصادية واللوجستية، وفي مقدمتها الموانئ الكبرى وشبكات الاتصالات والطاقة، باعتبارها عناصر أساسية في استقرار الاقتصاد الوطني واستمرارية سلاسل الإمداد الدولية.
ويبرز في هذا الإطار الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به منشآت كبرى مثل ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أهم المراكز اللوجستية في المنطقة، ما يجعل حمايته وتأمين بنيته الرقمية جزءا من مقاربة أمنية شاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للدفاع العسكري.
وعلى المستوى الجيوسياسي، تعكس هذه الخطة إعادة تموقع للمغرب داخل المنظومة الأمنية الأمريكية في إفريقيا وحوض المتوسط، حيث يتوقع أن يضطلع بأدوار أكبر في متابعة وتحليل التحديات الأمنية المرتبطة بمنطقة الساحل، التي تواجه تهديدات متشابكة تشمل الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية.
كما يأتي هذا التطور في سياق إقليمي ودولي يتسم بإعادة رسم موازين النفوذ داخل القارة الإفريقية. فالمنافسة بين القوى الكبرى لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الموارد الطبيعية، بل أصبحت تشمل أيضا مجالات التكنولوجيا المتقدمة والبنية الأمنية وشبكات الاتصال والدفاع.
وفي المقابل، يثير هذا التقارب العسكري المتنامي اهتمام عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، بالنظر إلى تأثيراته المحتملة على التوازنات الأمنية في المنطقة المتوسطية والإفريقية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الجيوسياسي العالمي.
ورغم المكاسب التي قد يوفرها هذا المستوى من التعاون، فإنه يفتح أيضا نقاشا حول التحديات المرتبطة بالحفاظ على هامش الاستقلالية الاستراتيجية في ظل الاعتماد المتزايد على أنظمة القيادة والسيطرة والاتصال المتطورة. ويعتبر هذا النقاش جزءا من التحولات التي تشهدها الشراكات الدفاعية الحديثة، والتي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكامل التكنولوجي وتبادل البيانات والأنظمة الذكية.
وفي المجمل، تعكس الوثيقة الأمريكية تصورا جديدا لطبيعة التحالفات العسكرية خلال العقود المقبلة، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم العتاد العسكري، بل بمدى القدرة على الاندماج داخل شبكات متقدمة تجمع بين التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والقدرات العملياتية المشتركة.
وفي حال ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع عملية خلال السنوات المقبلة، فإن المغرب مرشح لتعزيز موقعه كأحد أبرز الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة في المنطقة، مع ما يحمله ذلك من فرص لتطوير القدرات الدفاعية والتكنولوجية، وتوسيع حضوره داخل المعادلات الأمنية الإقليمية والدولية.



