وطنية

الأمن الغذائي بين الفلاحة التصديرية والفلاحة السيادية بالمغرب وتداعيات التقلبات الجيوسياسية الراهنة

بقلم – علي سكين 

حـددت منظمـة الأمم المتحـدة للأغذيـة والزراعـة خـلال مؤتمـر القمـة العالمـي للأمـن الغذائـي المنعقـد برومـا سنة 1996، أربعـة مرتكـزات للأمـن الغذائـي، وهـي: توفر الغذاء   – الحصول على الغذاء – استهلاك الغذاء – الاستقرار (استدامة توفر الغذاء والحصول عليه).

بالنسبة للمحدد الأول والثاني المتمثل في توفر الغذاء والولوج إليه:

لا تكمن جذور الجوع وسوء التغذية دائما في ندرة الغذاء، بل في العجز عن الوصول إليه؛ إذ يتحقق الأمن الغذائي عبر مسارين متكاملين: إما من خلال الإنتاج الذاتي (الفلاحة)، أو عبر التمكين الاقتصادي الذي يضمن القدرة الشرائية للحصول على الأغذية المتاحة في الأسواق.

ويعتمد المغرب نموذجا زراعيا موجها نحو التصدير، الذي يرتكز على محاصيل تستهلك موارد مائية ضخمة مستهلكة بكثافة للماء (مثل الحوامض، الطماطم الأفوكادو، البطيخ…) مما أدى إلى إجهاد مائي غير مسبوق وضغط جائر على المياه الجوفية، في مقابل تهميش الفلاحة المعيشية التي تؤمن القوت اليومي للمغاربة. ورغم الوفرة المحلية من الخضروات ومواد أخرى، يظل إنتاجها مرتهنا للأسواق العالمية نظرا للاعتماد الكلي على المدخلات الفلاحية المستوردة (بذور، أسمدة، مبيدات، طاقة…)؛ مما يجعل وفرة الغذاء خاضعا لتقلبات السوق الدولية لا للسيادة الإنتاجية المحلية. وقد تؤدي النزاعات الجيوسياسية الراهنة (الحروب في الشرق الأوسط) إلى اضطرابات في سلاسل إمدادات المدخلات الفلاحية وكذا المواد الغذائيةكالزيـوت والحبوب والسـكر، الذي سينعكس مباشرة على أسعار المنتوجات الفلاحية والمواد الاستهلاكية، مسببا تآكلا في القدرة الشرائية للأسر، وهو ما سيقلص قدرة المواطنين الوصول إلى غذاء كاف ومؤمن، ويسبب في أزمة الأمن الغذائي.

بالنسبة للمحدد الثالث الاستهلاك:

بالنسبة لاستهلاك الغذاء فهو ركيزة أساسية تتطلب طعاما آمنا ونوعياللاحتياجات الجسدية، وهو يتأثر بعوامل متداخلة أخرى كسلامة الغذاء والقدرة على امتصاص المغذيات من طرف الجسد، إلا أن هذا الطموح وجراء الأزمات الجيوسياسية، والتبعية الغذائية، يمكن أن يصطدم بضغط ارتفاعالأسعار وصعوبة الولوج للغذاء، مما يدفع الأسر نحو تقليص كمية الغذاء المستهلك أو اللجوء للأغذية البديلة الغنية بالسعرات الحرارية والفقيرة من حيث المغذيات (مثل النشويات والزيوت) لأنها أرخص من البروتينات والفواكه،فتشعر الفرد من خلال استهلاكها بالشبع لكن جسده يضل يعاني من نقص حاد في الفيتامينات والمعادن، إنه الجوع الخفي المسبب للأمراض الاستقلابية كالسمنة والسكري وكذلك فقر الدم. في بلادنا لا زلنا نتحمل تداعيات السياسات الفلاحية، مثل مخطط المغرب الأخضر، التي غلبت كفة المحاصيل التصديرية (كالأفوكا والتوتيات) على حساب الفلاحة المعيشية (كالحبوب والقطاني)؛ مما أدى من جهة إلى استنزاف بيئي حاد للثروة المائية الوطنية، ومن جهة أخرى إلى تبعية اقتصادية جعلت المائدة المغربية رهينة لتقلبات الأسواق العالمية ، مضحية بالسيادة الغذائية والمائية مقابل جلب العملة الصعبة.

بالنسبة للمحدد الرابع : الاستقرار 

يعتبر الاستقرار الركيزة الأكثر حساسية في منظومة الأمن الغذائي، حيث يتمحور حول ضمان ديمومة توفر الغذاء والوصول إليه واستهلاكه بشكل مستمر، بعيدا عن الصدمات المفاجئة.

في المغرب يتخذ مفهوم الاستقرار في المنظومة الغذائية أبعادا تتجاوزتوفر السلع، لتشمل القدرة على الصمود أمام الأزمات المركبة؛ فالبنية الفلاحية تعاني من عدم استقرار مزمن بسبب ارتباطها العضوي بين إنتاج الحبوب والتساقطات المطرية، مما يجعل السيادة الغذائية عرضة لتقلبات المناخ القاسية، هذا الخلل البنيوي يتعمق بفعل التوجه نحو الزراعات التصديرية المستنزفة للفرشة المائية، مثل الأفوكادو والحوامض، مما يعني عمليا تصدير المياه الافتراضية، وهو ما يهدد الاستقرار الطويل الأمد وحق الأجيال القادمة في الغذاء. وبالتوازي مع ذلك، تبرز التبعية للأسواق العالمية كحلقة ضعف تضع المستهلك المغربي تحت رحمة التقلبات الجيوسياسية،حيث تتحول القفزات المفاجئة في الأسعار الدولية إلى ضغوط معيشية مباشرة تحرم الأسر الهشة من الوصول المنتظم للغذاء، مما يجعل الاستقرار الغذائي رهانا سياديا يتطلب إعادة النظر في نموذج التوازن بين التصدير والاستهلاك المحلي.

خاتمة

إن الانتقال من الفلاحة التصديرية إلى الفلاحة السيادية يعد درعا واقيا للوطن يمكن من تقوية الروابط الاجتماعية، وبالخصوص رابط المواطنة، ويعتبر ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات المناخية والجيوسياسية المتزايدة التي تهدد الأمن الغذائي في المغرب. مما يجعل من توجيه الموارد المائية الشحيحة نحو إنتاج المواد الأساسية التي تضمن البقاء، ضرورة ملحة، بدلا من استنزافها في منتجات موجهة للتصدير، قد لا تخدم السيادة الغذائية المباشرة، وكذا دعم الفلاح الصغير كحجر أساس من خلال تقديم تحفيزات مالية وتقنية تهدف من جهة، تقليص الفجوة الربحية بين زراعات التصدير والزراعات المعيشية، ومن جهة أخرى التشجيع على استمرارية الإنتاج المحلي وتثبيت السكان في مناطقهم القروية، وتحصين السوق من التقلبات العالمية، وضبط التوازن بين العرض والطلب محليا، مما سيؤدي لا محالة إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين من صدمات الأسعار الدولية ، ويحول دون ارتهان مائدة المغاربة للنزاعات الجيوسياسية الخارجية، كما لا يمكن تجاوز النهوض بالوعي الصحي التغذوي ليكون الغذاء وسيلة لبناء صحة عامة قوية، يتجاوز توفير السعرات الحرارية إلى ضمان جودة ونوعية الطعام المستهلك. 

إن هذا المطلب لا يهدف فقط إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الآني، بل يسعى إلى صياغة نظام غذائي عادل ومستدام، يحترم حقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية ويجعل السيادة الغذائية درعا واقيا للوطن.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *