وطنية

‏مسؤولون وخبراء يناقشون العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة برواق السلطة ‏القضائية بمعرض الكتاب‏

احتضن الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ‏اليوم السبت 9 ماي 2026، ندوة علمية رفيعة، حول موضوع:” العقوبات البديلة ‏والتخفيض التلقائي للعقوبة”، وذلك في إطار فعاليات الدورة الـ 31 للمعرض الدولي للنشر ‏والكتاب بالرباط، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ‏نصره الله. ‏
وسعت الندوة إلى الإحاطة بالأبعاد المتعددة لـلفلسفة التأهيلية عبر مقاربات استحضرت ‏راهنية التشريع وتحديات التنزيل الميداني، حيث انصبت النقاشات على تبيان الأدوار ‏المحورية للنيابة العامة في تفعيل العقوبات البديلة وتدبير التخفيض التلقائي للعقوبة ‏كآليات لترشيد الاعتقال، كما خصصت حيزا نوعيا لتفكيك الأسس الفلسفية والقانونية ‏الناظمة لهذه البدائل، باعتبارها رافعة أساسية للانتقال من العدالة الجزائية إلى العدالة ‏الإصلاحية التي توازن بين مصلحة المجتمع وحق الجاني في إعادة الإدماج.‏
بديل استراتيجي للنظم العقابية
أكدت السيدة فاطمة الزهراء بنسعيد، رئيسة شعبة الإجراءات الجنائية وحقوق الإنسان، ‏قطب القضاء الجنائي، بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القانون رقم 43.22 ‏المتعلق بالعقوبات البديلة جاء كبديل استراتيجي للنظم العقابية التقليدية التي تعتمد ‏السجن وسيلة وحيدة للعقاب، مما أدى إلى ظاهرة الاكتظاظ السجني وتكاليف بشرية ‏واجتماعية جسيمة كارتفاع معدلات العود وتفكك الأسر، مشيرة إلى أن أهداف هذا القانون ‏واضحة وتتجلى في تحقيق العدالة التصالحية من خلال إشراك المحكوم عليه في تعويض ‏الضرر أو تقديم خدمة للمجتمع، تماشياً مع الحركية الدولية وقواعد طوكيو للأمم المتحدة ‏التي تشدد على أن يكون السجن هو الملاذ الأخير‎.‎
وأوضحت المتحدثة أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية مارس اختصاصه الدستوري ‏كقوة اقتراحية من خلال إبداء الرأي في هذا المشروع ومواكبة تنزيله عبر إحداث بنيات ‏إدارية متخصصة كشعبة الإجراءات الجنائية وحقوق الإنسان بقطب القضاء الجنائي، ‏حيث عمل المجلس على إعداد دليل عملي يقع في 500 صفحة يتضمن شرحاً لمواد ‏القانون ونماذج استئناسية للأحكام، بالإضافة إلى تنظيم دورات تكوينية وتواصلية لفائدة ‏القضاة لضمان التنزيل الجيد للمقتضيات القانونية الجديدة دون المساس بمبدأ استقلال ‏القرار القضائي‎.‎
وفصلت السيدة بنسعيد في أنواع العقوبات البديلة الأربعة التي أقرها المشرع وهي العمل ‏لأجل المنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية وتقييد بعض الحقوق والغرابة اليومية، مع ‏تحديد الجرائم المستثناة منها كأمن الدولة والرشوة والاتجار الدولي في المخدرات ‏والاستغلال الجنسي للقاصرين، مبرزة الدور المحوري لقاضي تطبيق العقوبات في إصدار ‏المقررات التنفيذية أو استبدال العقوبات الحبسية بعقوبات بديلة، مع التأكيد على أهمية ‏التنسيق الدائم بين المجلس ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل والمندوبية العامة لإدارة ‏السجون لتدليل الصعوبات الواقعية وتحقيق الغاية النبيلة من هذا الورش التشريعي‎.‎
أدوار النيابة العامة بخصوص العقوبات البديلة
في نفس السياق، أوضح السيد مراد العلمي، رئيس قطب الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ ‏السياسة الجنائية وتحليل ظاهرة الجريمة برئاسة النيابة العامة، أن السياسة العقابية ‏الوطنية واجهت انتقادات بسبب اكتظاظ السجون الذي وصل لمستويات قياسية، مما ‏فرض البحث عن حلول تتماشى مع المعايير الدولية التي تميز بين المحكومين داخل ‏المؤسسات السجنية وخارجها، مبرزاً أن قانون العقوبات البديلة لسنة 2024 الذي دخل ‏حيز التنفيذ في غشت 2025 جاء كخطوة تشريعية جديدة لسن أربعة أنماط من العقوبات ‏البديلة استجابة لالتزامات المغرب الدولية وتوصيات الحوار الوطني لإصلاح منظومة ‏العدالة وخطاب الملك محمد السادس نصره الله لسنة 2009، بهدف تجاوز فلسفة سلب ‏الحرية نحو آليات إصلاحية تخدم التنمية المستدامة‎.‎
وأبرز السيد العلمي الشروط القانونية للاستفادة من هذه العقوبات، مؤكدا أنها تقتصر ‏على الجنح دون الجنايات حتى في حالة تمتع الجاني بظروف التخفيف، وأن العبرة ‏بالمنطوق الذي يجب ألا يتجاوز خمس سنوات حبساً مع انعدام حالة العود القانونية التي ‏تثبتها النيابة العامة بالسجل العدلي، كما أشار إلى دور قاضي تطبيق العقوبات في ‏استبدال العقوبة الحبسية النهائية ببدائل مثل العمل للمنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية ‏وفق مؤشرات محددة كالحالة الصحية والاجتماعية ومدى الانضباط لبرامج الإدماج، مع ‏إحداث غرف مشورة بالمحاكم الابتدائية للبت في منازعات قرارات الاستبدال‎.‎
واستعرض المتحدث حصيلة إيجابية للنتائج المحققة إلى حدود أبريل بصدور 2600 ‏مقرر قضائي شملت الغرامات اليومية والعمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية التي ‏وفرت لها المندوبية العامة لإدارة السجون بنية تحتية ومنصة وطنية، موضحا مسار ‏التنفيذ الذي يجمع بين إشراف النيابة العامة وقرارات قاضي تطبيق العقوبات والتنفيذ ‏المباشر للإدارة السجنية، مع التأكيد على أن نجاح هذا الورش يتوقف على التحسيس ‏المجتمعي لقبول ثقافة تأهيل الجناة لضمان عودتهم السلسة للحياة الطبيعية ومحو ‏سوابقهم القضائية في آجال وجيزة
التخفيض التلقائي للعقوبة
قال السيد هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، إن ‏نظام التخفيض التلقائي للعقوبة يعد مستجداً قانونياً يقع في منطقة تقاطع دقيقة بين مبدأ ‏الشرعية الجنائية ومبدأ تفريد العقوبة، مبرزاً أصوله الفلسفية المستمدة من المدرسة ‏الكلاسيكية ومنظري العقد الاجتماعي وكذا مدرسة الدفاع الاجتماعي التي نادت بأنسنة ‏العقوبة، ومؤكداً أن هذا النظام يتميز عن العفو والافراج المقيد بشروط بكونه أثراً يترتب ‏بموجب القانون بشكل آلي وفوري بمجرد إيداع السجين واستيفائه شرط قضاء ربع العقوبة ‏واكتساب الحكم قوة الشيء المقضي به، دون الحاجة لمساطر معقدة أو لجان دراسة ‏الطلبات، مع بقاء حق الرقابة والسحب لقاضي تطبيق العقوبات في حالة الإخلال ‏بالضوابط‎.‎
واستعرض السيد ملاطي تطور هذه المؤسسة في الأنظمة المقارنة خاصة التجربتين ‏الفرنسية والإيطالية، مشيراً إلى أن المشرع المغربي استفاد من هذه التجارب بتبني نظام ‏التلقائية المضبوطة الذي يوازن بين اليقين القانوني والمرونة القضائية، حيث حدد مدد ‏التخفيض في خمسة أيام عن كل شهر للمحكومين بسنة فما أقل، وشهر عن كل سنة ‏للمحكومين بأكثر من سنة، مع مضاعفة هذه المدد لفائدة الأحداث تجسيداً للنزعة ‏الإنسانية للسياسة العقابية الوطنية، كما أشار إلى المرجعيات الدولية المؤطرة لهذا ‏الإجراء كقواعد نيلسون مانديلا وقواعد طوكيو التي تنص صراحة على التخفيض التلقائي ‏كأحد التدابير التحفيزية لتجنب الاحتجاز الطويل وتسهيل إعادة الإدماج‎.‎
وكشف المتحدث عن نتائج رقمية لافتة فور دخول هذا المستجد حيز التنفيذ، حيث استفاد ‏أكثر من 88 ألف سجين من مقتضيات التخفيض التلقائي، مما أدى إلى الإفراج الفوري ‏عن حوالي 9 آلاف سجين، وهو رقم يتجاوز بكثير ما تحققه آليات العفو أو الإفراج المقيد ‏في سنوات، مؤكدا أن أهمية هذا الإجراء تكمن في ديمومته اليومية وأثره المباشر على ‏تخفيف الاكتظاظ السجني، وخلص إلى ضرورة مواكبة هذا الورش بنظام معالجة آلي ‏لضبط الحسابات اليومية، وتفعيل لجان التظلم لضمان الحقوق الدفاعية للمسجونين، مع ‏رصد مؤشرات الأثر المتعلقة بنسب العود لتقييم مدى نجاح برامج التأهيل المرافقة لهذا ‏التحرر المبكر‎.‎
أسس فلسفية وقانونية للعقوبات البديلة
في عرض حول الأسس الفلسفية والقانونية للعقوبات البديلة، شدد السيد عبد الجليل ‏عينوسي، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، على كون العقوبة من ‏منظور علم العقاب تعد نظاما اجتماعيا يهدف إلى البحث في أغراض الجزاء الجنائي ‏والوسائل الكفيلة بإصلاح وتأهيل المجرمين، موضحاً أن العقوبات السالفة للحرية قصيرة ‏المدة أثبتت عدم نجاعتها في تحقيق الردع العام والخاص، بل أصبحت تشكل عائقاً أمام ‏برامج الإدماج بسبب مساوئها المتمثلة في اختلاط السجناء المبتدئين بالمحترفين، وما ‏تسببه من آثار نفسية واجتماعية سلبية على المحكوم عليه وأسرته، بالإضافة إلى ‏مساهمتها المباشرة في ظاهرة اكتظاظ المؤسسات السجنية التي تحول دون تكريس الجانب ‏التأهيلي‎.‎
واستعرض المتحدث المرجعيات الدولية والفلسفية التي مهدت لاعتماد البدائل، بدءاً من ‏مؤتمرات روما وباريس وصولاً إلى قواعد طوكيو وبيكين وبانكوك الصادرة عن الأمم ‏المتحدة، مشيراً إلى أن المشرع المغربي كان جريئا في ربط العقوبات البديلة بالجنح التي ‏لا تتجاوز عقوبتها خمس سنوات حبساً، معتبراً أن نجاح هذه المنظومة رهين بتحقيق ‏أربعة أغراض أساسية هي خلق الشعور بالمسؤولية لدى الجاني، والحفاظ على إمكانياته ‏البدنية والذهنية وتنميتها، وتفادي الآثار الضارة لسلب الحرية، ثم ضرورة تنظيم رعايه ‏اجتماعية لاحقة لضمان عدم العودة للجريمة‎.‎
وأكد المتحدث على أن العقوبات البديلة يجب أن تظل عقوبة تحقق الردع ولا تتحول إلى ‏امتياز، منبهاً من خلال قراءة في الإحصائيات المسجلة إلى حدود دجنبر 2025 إلى ‏ضرورة الحذر من طغيان الغرامات اليومية على حساب عقوبة العمل لأجل المنفعة ‏العامة التي تعد الأنسب فلسفياً لخدمة المجتمع، مؤكداً أن العناية بالرعاية اللاحقة ‏وتطوير نظام الصلح الجنائي هما السبيلان الوحيدان لتجاوز منطق البيع والشراء في ‏العقوبات ولضمان تحقيق الغايات الإصلاحية التي أملت إقرار هذا القانون الجديد‎.‎

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *