ألمانيا على عتبة أكبر زلزال سياسي منذ الحرب

تسود ألمانيا حالة من الترقب قبيل انتخابات ولاية ساكسونياـ أنهالت المقررة في (السادس من سبتمبر/ أيلول 2026). وستشهد البلاد في نفس الشهر أربع استحقاقات انتخابية أخرى، يمكن أن تؤدي إلى إعادة خلط أوراق المشهد السياسي برمته. فإلى جانب ساكسونيا-أنهالت، ستجرى انتخابات في كل من مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين وكذلك وفي ولاية سكسونيا السفلى. ويحظى حزب “البديل” في ساكسونيا-أنهالت، المصنف رسميا كحزب يميني متطرف، للمرة الأولى بفرصة لتشكيل الحكومة الولائية، إذ تصل شعبيته هناك إلى حوالي 43% وفق آخر استطلاعات الرأي، أي أنه اقترب من تحقيق الأغلبية المطلقة. وأكد المرشح الرئيسي للحزب، أولريش زيغموند، أنه لا يسعى إلى تشكيل ائتلاف، بل يريد الحكم بمفرده. ويذكر أن جميع الأحزاب التي يمكنها، وفقا لاستطلاعات الرأي، دخول برلمان الولاية ترفض التعاون مع الحزب الشعبوي.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة “آوسبورغر تسايتونغ” الألمانية (29 أغسطس / آب 2026) معلقة “النتيجة محبِطة: لقد فشلت جميع الاستراتيجيات التي اتبعتها أحزاب الوسط لاحتواء حزب “البديل من أجل ألمانيا”، الذي صنفت هيئة حماية الدستور بعض أجنحته على أنها يمينية متطرفة. كما لم يبق شيء من الإعلان الحماسي الذي أطلقه المستشار الألماني الحالي ورئيس الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فريدريش ميرتس عام 2018، حين قال إنه سيعمل على تقليص حجم حزب “البديل” إلى النصف. ويتمثل رمز هذه الاستراتيجية الفاشلة في ما يُعرف بـ”الجدار العازل”، أي التعهد الذي قطعته قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والمثبت في ما يسمى “قرار عدم التوافق”، بعدم التعاون مع حزب “البديل” مطلقا وعلى أي مستوى سياسي”.
ألمانيا على عتبة تحول سياسي جذري!
في حال حصل “البديل” على الأغلبية المطلقة، فمن المتوقع حدوث تحول جذري في المشهد السياسي الألماني. وقد بدأت الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات في التفكير في كيفية التعامل مع هذا التحول المحتمل ومنع تداعياته السلبية من الانتقال إلى أجزاء أخرى من ألمانيا. غير أن استطلاعات الرأي الحالية ترجح أن يتمكن رئيس حكومة ولاية ساكسونيا أنهالت سفين شولتسه من الحزب الديموقراطي المسيحي، من البقاء في منصبه بالتحالف مع أحزاب أخرى مناهضة لـ”البديل”. وقد يكون ذلك ممكنا، على سبيل المثال، إذا شكل شولتسه حكومة أقلية مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر. وكما هو الحال في ولاية ساكسونيا، يمكنه عندئذ الاعتماد في بعض الحالات، مثل انتخابه أو إقرار الموازنة، على دعم حزب اليسار.
وذهبت صحيفة “تاغس أنتسايغر” النمساوية الصادرة بالألمانية (الثالث من سبتمبر/ أيلول 2026) معلقة على مناظرة تلفزيونية خاضها المرشحان شولتسه وزيغموند وكتبت “لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه المناظرة ستؤثر على الناخبين المترددين. فحينما يتعلق الأمر بتفاصيل الملفات، كان زيغموند قد لفت الانتباه من قبل بسبب عدم اليقين الذي أظهره. ومع ذلك، فإن قاعدة حزب “البديل” لا تزال تقف بثبات خلف مرشحها. وعلى الجانب الآخر، يعاني حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي من تراجع شعبية المستشار فريدريش ميرتس، وهو عائق لا يستطيع شولتسه فعل الكثير حياله (..) وقد يتمكن شولتسه من البقاء رئيسا لحكومة الولاية، لكنه سيضطر على الأرجح إلى الحصول أيضا على دعم أصوات حزب اليسار، الذي لا يرغب حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في التعاون معه أصلا.
المستشار ميرتس يشارك في الحملة الانتخابية
قرر المستشار الألماني فريدريش ميرتس المشاركة في الحملة الانتخابية لدعم شولتسه، وحذر ميرتس من التداعيات الاقتصادية تولي حزب “البديل” الحكم في ساكسونيا ـ أنهالت. وكان المستشار قد واجه مؤخرا احتجاجات ومضايقات خلال حملته الانتخابية في ولاية ميكلنبورغ-فوربومرن، التي تجري انتخاباتها في 20 سبتمبر، والتي يتقدم فيها أيضا حزب “البديل” في استطلاعات الرأي. من جهته اتهم زعيم حزب “البديل” تينو شروبالا، المستشار ميرتس بإهانة الناخبين. وفي المقابلة الصيفية مع محطة “سات آينس”، انتقد ميرتس بسبب تصريحه الذي قال فيه “يجب ألا تتحول ولاية سكسونيا-آنهالت إلى حقل تجارب للمواطنين الغاضبين”. وقال شروبالا “أعتقد أن ميرتس يخوض بهذه الطريقة حملة انتخابية لصالحنا. ويسعدني أسلوبه، إذا واصل التطاول على سكان شرق ألمانيا”، واتهم ميرتس بإقصاء “ما يقرب من 40 في المئة أو ربما أكثر من 40 في المئة ممن لهم حق التصويت في الولاية”.
وبهذا الشأن كتبت صحيفة “فرانكفورته ألغماينه تسايتونغ” الألمانية (الأول من سبتمبر) معلقة “حزب البديل يتصدر استطلاعات الرأي هذه المرة بفارق مستقر وكبير إلى حد سيجعل لحاق الحزب الديموقراطي المسيحي به “معجزة سياسية”، ناهيك عن تجاوزه. ومع ذلك، يتعين على الحزب “المسيحي” أن يكافح من أجل الحصول على المركز الثاني بأقوى نتيجة ممكنة. فكلما حصل على عدد أكبر من الأصوات والمقاعد، تضاءل احتمال أن يحقق حزب “البديل” أغلبية مطلقة، على الأقل من حيث عدد المقاعد، ويتمكن بالتالي من تشكيل حكومة بمفرده (..)الديمقراطية الألمانية قادرة أن تتحمل ذلك. غير أن تقدم “البديل” يُعد نذيرا بالتدهور والانزلاق نحو عالم سياسي مظلم”.
أزمة فولكسفاغن تلقي بظلالها على الانتخابات
تخيم أزمة شركة صناعة السيارات فولكسفاغنعلى الانتخابات المحلية في ألمانيا، ولا سيما تهديد إدارة الشركة بإغلاق بعض المصانع. وتخشى الأحزاب التقليدية من أن تؤدي هذه الأوضاع إلى زيادة في تأييد حزب “البديل” بين العمال المحبطين. وأعلنت المجموعة إلغاء خمسين ألف وظيفة إضافية في أفق عام 2030، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي للوظائف التي تنوي إلغاءها إلى مائة ألف. وسبق لـ”فولكسفاغن” التي تملك علامات مثل “آودي” و”بورشه” أن أعلنت نيّتها إلغاء 50 ألف وظيفة حول العالم. وتشكل الوظائف التي أعلن تخفيضها أكبر عملية إعادة هيكلة في صناعة السيارات حول العالم، وهي تشكل حوالى 15 في المئة من اليد العاملة في المجموعة الألمانية على الصعيد العالمي. حزب “البديل” سيستفيد من كل حالات الغضب الجماهيري. وغفي حال عدم حصوله على أغلبية مطلقة، وحتى مع حصوله على المرتبة الأولى في الانتخابات، فإن الأحزاب الأخرى لن تتحالف معه في ائتلاف حكومي، وبالتالي سيبقى في المعارضة ما قد يقويه أيضا ويعزز نظرية “كارتل الأحزاب”.
وهذا ما ذهبت إليه صحيفة “نويه تسوريخر تسايتونغ” السويسرية الصادرة بالألمانية (29 أغسطس) حين كتبت “في ساكسونيا-أنهالت، قد يفوز حزب “البديل” بفارق هائل، ومع ذلك سيكون من المؤكد، حتى قبل إغلاق مراكز الاقتراع، أن الحزب الأقوى سيُمنع من المشاركة في الحكم من قبل الأحزاب الأخرى. سياسيا، هذا أمر كارثي، لأنه يكرس الصورة التي يرسمها حزب “البديل” منذ سنوات عن وجود “كارتل حزبي” (..) إن سياسة العزل هذه تجبر أحزابا تريد في الأصل أن تكون بدائل بعضها لبعض على التعاون معا. (..) ويؤدي “جدار العزل” إلى توحيد أولئك الذين يقفون في الجهة الأخرى منه أي الجهة الجيدة، كما يرونها! ويدفع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي(ثمنا باهظا بصورة خاصة. فحكومة تضم جميع الأحزاب بهدف التصدي لحزب “البديل” قد تؤدي إلى تمزيق الحزب من الداخل. إذ سيتعين عليه تقديم تنازلات لقوى سياسية يخوض هو نفسه حملته الانتخابية ضدها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على ذلك الجزء من ناخبيه وأعضائه الذي يتساءل: لماذا يُسمح بالتوجه نحو اليسار، بينما يُستبعد التوجه نحو اليمين؟”.



